الشيخ محمد علي التسخيري

237

محاضرات في علوم القرآن

المحسوسات المادية إلى عالم ما وراء الطبيعة . ولا يمكن أن يعطى إنسان ما معنى من المعاني إلّا من طريق تصوّراته ومعلوماته الذهنية التي حصلت له خلال حياته المادية والعقلية . والناس في هذه التصورات والمعلومات على مراتب ودرجات تختلف باختلاف الممارسة المادية والعقلية . والهداية القرآنية ليست مختصّة بجماعة دون أخرى وإنّما هي هبة اللّه سبحانه للناس كافّة . وهذا الاختلاف في الفهم وعموم الهداية القرآنية يفرضان أن يسوق القرآن الكريم بياناته مساق الأمثال بأن يستثمر ما يعرفه الإنسان ويعهده في ذهنه من المعاني والصور ليبيّن ما لا يعرفه من هذه المعاني والصور . وقد يكون ذلك في القرآن الكريم مع عدم وجود التوافق الكلّي بين المعنى الذي يعرفه الإنسان مسبقا والمعنى الجديد الذي يحاول القرآن الكريم تعريف الإنسان عليه . وإنّما يلحظ القرآن جانبا معيّنا من الانسجام والتوافق ، كما نفعل ذلك في حياتنا العمليّة حين نستثمر الأوزان والمكاييل للتعريف بالمواد الغذائية وغيرها مع عدم وجود التوافق بينها وبين الموارد الغذائية في شكل أو صورة أو حجم . وحين نستعمل الصورة الماديّة المحسوسة - التي عرفها الإنسان في حياته كأمثال للمعارف الإلهية المجرّدة يقع الفهم الإنساني في إدراكه لهذه المعارف الممثّلة بين أمرين قد يستلزم كل منهما محذورا : الأوّل : الجمود بهذه المعارف في مرتبة الحسّ المادي وحينئذ تنقلب عن واقعها المجرّد الذي استهدفته الهداية القرآنية . الثاني : الانعتاق من الإطار المادي للمثال والقيام بعملية تجريد للخصوصيات غير الداخلة في التمثيل . وهذا يستلزم - أحيانا - الزيادة والنقيصة في هذه العملية